فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

قيل : كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا ؟ قلنا : إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روى أنهم يطالعون اللوح ، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة ، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها ، فحينئذ يقول : سبحان من أظهر الجميل ، وستر على القبيح ، ثم قد ذكرنا فوائد في نزولهم ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السماوات أحدها : أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء يأكلون طعام الأغنياء ويعبدون الله ، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد في السماوات وثانيها : أنهم يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد في السماوات وثالثها : أنه تعالى قال : " لأنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين " فقالوا : تعالوا نذهب إلى الأرض فنسمع صوتاً هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا ، وكيف لا يكون أحب وزجل المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين ، وأنين العصاة إظهار الغفارية رب الأرض والسماوات ( وهذه هي المسألة الأولى ) . المسألة الثانية : هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله : * ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) * وقوله : * ( لا يسبقونه بالقول ) * وفيها دقيقة وهي أنه تعالى لم يقل : مأذونين بل قال : * ( بإذن ربهم ) * وهو إشارة إلى أنهم لا يتصرفون تصرفاً ما إلا بإذنه ، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني ، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة . المسألة الثالثة : قوله : * ( ربهم ) * يفيد تعظيماً للملائكة وتحقيراً للعصاة ، كأنه تعالى قال : كانوا لي فكنت لهم ، ونظيره في حقنا : * ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ) * وقال لمحمد عليه السلام : * ( وإذ قال ربك ) * ونظيره ما روى أن داود لما مرض مرض الموت قال : إلهي كن لسليمان كما كنت لي ، فنزل الوحي وقال : قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي ، وروى عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياماً فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفاً فإذا بخيمة ، فنادى أتريدون الضيف ؟ فقيل : نعم ، فقال للمضيف : أيوجد عندك إدام لبن أو عسل ؟ فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل ، فتعجب إبراهيم وقال : إلهي أنا خليلك ولم أجد مثل ذلك الإكرام ، فماله ؟ فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له . أما قوله تعالى : * ( من كل أمر ) * فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر ، والمعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر ، ثم ذكروا فيه وجوهاً أحدها : أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود ، وبعضهم بالدعاء ، وكذا القول في التفكر والتعليم ، وإبلاغ الوحي ، وبعضهم لإدراك فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين وثانيها : وهو قول الأكثرين